فصل: تفسير الآية رقم (94):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآية رقم (85):

{وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)}
{وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا في الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون} تكرير للتأكيد والأمر حقيق به فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد والنفوس مغتبطة عليها. ويجوز أن تكون هذه في طريق غير الأول.

.تفسير الآيات (86- 91):

{وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)}
{وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ} من القرآن ويجوز أن يراد بها بعضها. {أَن آمِنُوا بِاللهِ} بأن آمنوا بالله ويجوز أن تكون أن المفسرة. {وجاهدوا مَعَ رَسُولِهِ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ} ذوو الفضل والسعة. {وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين} الذين قعدوا لعذر.
{رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف} مع النساء جمع خالفه وقد يقال الخالفة للذي لا خير فيه. {وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} ما في الجهاد وموافقة الرسول من السعادة وما في التخلف عنه من الشقاوة.
{لكن الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ جاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ} أي إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم. {وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخيرات} منافع الدارين النصر والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة. وقيل الحور لقوله تعالى؛ {فِيهِنَّ خيرات حِسَانٌ} وهي جمع خيرة تخفيف خيرة. {وأولئك هُمُ المفلحون} الفائزون بالمطالب.
{أَعَدَّ الله لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ذلك الفوز العظيم} بيان لما لهم من الخيرات الأخروية.
{وَجَاء المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} يعني أسداً وغطفان استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال. وقيل هم رهط عامر بن الطفيل قالوا إن غزونا معك أغارت طيئ على أهالينا ومواشينا. والمعذر إما من عذر في الأمر إذا قصر فيه موهماً أن له عذراً ولا عذر له، أو من اعتذر إذا مهد العذر بادغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين، ويجوز كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها للاتباع لكن لم يقرأ بهما. وقرأ يعقوب {المعذرون} من أعذر إذا اجتهد في العذر. وقرئ: {المعذرون} بتشديد العين والذال على أنه من تعذر بمعنى اعتذر وهو لحن إذ التاء لا تدغم في العين، وقد اختلف في أنهم كانوا معتذرين بالتصنع أو بالصحة فيكون قوله: {وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ} في غيرهم وهم منافقو الأعراب كذبوا الله ورسوله في إدعاء الإِيمان وإن كانوا هم الأولين فكذبهم بالاعتذار. {سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ} من الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره {عَذَابٌ أَلِيمٌ} بالقتل والنار.
{لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى} كالهرمى والزمنى. {وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} لفقرهم كجهينة ومزينة وبني عذرة. {حَرَجٌ} إثمٌ في التأخر. {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} بالإِيمان والطاعة في السر والعلانية كما يفعل الموالي الناصح، أو بما قدروا عليه فعلاً أو قولاً يعود على الإِسلام والمسلمين بالصلاح {مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ} أي ليس عليهم جناح ولا إلى معاتبتهم سبيل وإنما وضع المحسنين موضع الضمير للدلالة على أنهم منخرطون في سلك المحسنين غير معاتبين لذلك. {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لهم أو للمسيء فكيف للمحسن.

.تفسير الآية رقم (92):

{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)}
{وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} عطف على {الضعفاء} أو على {المحسنين}، وهم البكاؤون سبعة من الأنصار: معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلية ابن زيد، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغز معك، فقال عليه السلام: {لا أجد ما أحملكم} عليه فتولوا وهم يبكون. وقيل هم بنو مقرن معقل وسويد والنعمان. وقيل أبو موسى وأصحابه. {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} حال من الكاف في {أَتَوْكَ} بإضمار قد. {تَوَلَّوْاْ} جواب إذا. {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ} تسيل. {مِنَ الدمع} أي دمعاً فإن من للبيان وهي مع المجرور في محل النصب على التمييز وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأنه يدل على أن العين صارت دمعاً فياضاً. {حَزَناً} نصب على العلة أو الحال أو المصدر لفعل دل عليه ما قبله. {أَلاَّ يَجِدُواْ} لئلا يجدوا متعلق ب {حَزَناً} أو ب {تَفِيضُ}. {مَا يُنْفِقُونَ} في مغزاهم.

.تفسير الآية رقم (93):

{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93)}
{إِنَّمَا السبيل} بالمعاتبة. {عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء} واجدون الأهبة. {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف} استئناف لبيان ما هو السبب لاستئذانهم من غير عذر وهو رضاهم بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف إيثاراً للدعة. {وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ} حتى غفلوا عن وخامة العاقبة. {فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} مغبته.

.تفسير الآية رقم (94):

{يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94)}
{يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ} في التخلف. {إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} من هذه السفرة. {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ} بالمعاذير الكاذبة لأنه: {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} لن نصدقكم لأنه: {قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ} أعلمنا بالوحي إلى نبيه بعض أخباركم وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد. {وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} أتتوبون عن الكفر أم تثبتون عليه فكأنه استتابة وإمهال للتوبة. {ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة} أي إليه فوضع الوصف موضع الضمير للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعلنهم لا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم. {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بالتوبيخ والعقاب عليه.

.تفسير الآية رقم (95):

{سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95)}
{سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} فلا تعاتبوهم {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} ولا توبخوهم. {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} لا ينفع فيهم التأنيب فإن المقصود منه التطهير بالحمل على الإنابة وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير فهو علة الإِعراض وترك المعاتبة. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} من تمام التعليل وكأنه قال: إنهم أرجاس من أهل النار لا ينفع فيهم التوبيخ في الدنيا والآخرة، أو تعليل ثان والمعنى: أن النار كفتهم عتاباً فلا تتكلفوا عتابهم. {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} يجوز أن يكون مصدراً وأن يكون علة.

.تفسير الآية رقم (96):

{يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)}
{يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} بحلفهم فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم. {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين} أي فإن رضاكم لا يستلزم رضا الله ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط الله وبصدد عقابه، وإن أمكنهم أن يلبسوا عليكم لا يمكنهم أن يلبسوا على الله فلا يهتك سترهم ولا ينزل الهوان بهم، والمقصود من الآية النهي عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم بعد الأمر بالإعراض وعدم الالتفات نحوهم.

.تفسير الآية رقم (97):

{الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97)}
{الأعراب} أهل البدو. {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} من أهل الحضر لتوحشهم وقساوتهم وعدم مخالطتهم لأهل العلم وقلة استماعهم للكتاب والسنة. {وَأَجْدَرُ أَن لا يَعْلَمُواْ} وأحق بأن لا يعلموا. {حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ} من الشرائع فرائضها وسنتها. {والله عَلِيمٌ} بعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر. {حَكِيمٌ} فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقاباً وثواباً.

.تفسير الآية رقم (98):

{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)}
{وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ} يعْدُّ. {مَا يُنفِقُ} يصرفه في سبيل الله ويتصدق به. {مَغْرَمًا} غرامة وخسراناً إذ لا يحتسبه قربة عند الله ولا يرجو عليه ثواباً وإنما ينفق رياء أو تقية. {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر} دوائر الزمان ونوبه لينقلب الأمر عليكم فيتخلص من الانفاق. {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء} اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصون أو الإِخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم، والدائرة في الأصل مصدر أو اسم فاعل من دار يدور وسمي به عقبة الزمان، و{السوء} بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة كقولك رجل صدق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {السوء} هنا. وفي الفتح بضم السين. {والله سَمِيعٌ} لما يقولون عند الانفاق. {عَلِيمٌ} بما يضمرون.

.تفسير الآيات (99- 102):

{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)}
{وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قربات عِندَ الله} سبب {قربات} وهي ثاني مفعولي {يَتَّخِذِ}، وعند الله صفتها أو ظرف ل {يَتَّخِذِ}. {وصلوات الرسول} وسبب صلواته لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمتصدقين ويستغفر لهم، ولذلك سن للمتصدق عليه أن يدعو للمصدق عند أخذ صدقته لكن ليس له أن يصلي عليه كما قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم صِل على آل أبي أوفى» لأنه منصبه فله أن يتفضل به على غيره. {أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} شهادة من الله بصحة معتقدهم وتصديق لرجائهم على الاستئناف مع حرف التنبيه وإن المحققة للنسبة والضمير لنفقتهم وقرأ ورش {قُرْبَةٌ} بضم الراء. {سَيُدْخِلُهُمُ الله في رَحْمَتِهِ} وعدلهم بإحاطة الرحمة عليهم والسين لتحقيقه وقوله: {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لتقريره. وقيل الأولى في أسد وغطفان وبني تميم والثانية في عبد الله ذي البجادين وقومه.
{والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين} هم الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين شهدوا بدراً أو الذين أسلموا قبل الهجرة. {والانصار} أهل بيعة العقبة الأولى. وكانوا سبعة وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة صعب بن عمير. وقرئ بالرفع عطفاً على {والسابقون}. {والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ} اللاحقون بالسابقين من القبيلتين، أو من اتبعوهم بالإِيمان والطاعة إلى يوم القيامة. {رَّضِىَ الله عَنْهُمْ} بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم. {وَرَضُواْ عَنْهُ} بما نالوا من نعمه الدينية والدنيوية. {وَأَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار} وقرأ ابن كثير {من تحتها الأنهار} كما في سائر المواضع. {خالدين فِيهَا أَبَداً ذلك الفوز العظيم}.
{وَمِمَّنْ حَوْلَكُم} أي وممن حول بلدتكم يعني المدينة. {مّنَ الأعراب منافقون} هم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها. {وَمِنْ أَهْلِ المدينة} عطف على {مِمَّنْ حَوْلَكُم} أو خبر لمحذوف صفته. {مَرَدُواْ عَلَى النفاق} ونظيره في حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قوله:
أَنَا ابنُ جَلا وَطَلاَّع الثنَايَا

وعلى الأول صفة للمنافقين فصل بينها وبينه بالمعطوف على الخبر أو كلام مبتدأ لبيان تمرنهم وتمهرهم في النفاق. {لاَ تَعْلَمُهُمْ} لا تعرفهم بأعيانهم وهو تقرير لمهارتهم فيه وتنوقهم في تحامي مواقع التهم إلى حد أخفى عليك حالهم مع كمال فطنتك وصدق فراستك. {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} ونطلع على أسرارهم إن قدروا أن يلبسوا عليك لم يقدروا أن يلبسوا علينا. {سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} بالفضيحة والقتل أو بأحدهما وعذاب القبر، أو بأخذ الزكاة ونهك الأبدان. {ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ} إلى عذاب النار.
{وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ} ولم يعتذروا عن تخلفهم بالمعاذير الكاذبة، وهم طائفة من المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سَوَاري المسجد لما بلغهم ما نزل في المتخلفين، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد على عادته فصلى ركعتين فرآهم فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم فقال: وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم فنزلت فأطلقهم. {خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً} خلطوا الفعل الصالح الذي هو إظهار الندم والاعتراف بالذنب بآخر سيء هو التخلف وموافقة أهل النفاق، والواو إما بمعنى الباء كما في قولهم بعت الشاء شاة ودرهماً. أو للدلالة على أن كل واحد منهما مخلوط بالآخر. {عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أن يقبل توبتهم وهي مدلول عليها بقوله: {اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ}. {إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه.